الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
189
نفحات القرآن
وقد أشار القرآن المجيد إلى هذا الأمر العجيب بالنسبة للنحل في الآيات 68 و 69 من سورة النحل . لقد اتّضح لنا - بعد التحقيقات التي أجريت على هذه الحشرة في العصر الحاضر - أنّ النحل يعيش حياة اجتماعية وتمدناً عجيباً يفوق تمدن الإنسان في بعض نواحيه ، فالعمران والبناء يتمّ عنده بدقّة كاملة وطبقاً للمواصفات الهندسية ، وكيفية تجميع العسل وتهيئته وادخاره وحفظه من التلوث ، وكيفية تربية الصغار ، والتعذية الخاصة للملكة ، والتحقق من عدم تلوث بعض النحل بالزهور الملوثة ، وكيفية الدفاع ضد العدو ، وكيفية إخبار أعضاء الخلية عن الزهور بواسطة النحل المكلّف بالبحث ، وإعطاء المواصفات الدقيقة من حيث المسافة والانحراف وذلك للحركة الجماعية نحو ذلك المصدر ، وغير ذلك من الأمور العجيبة التي لا يمكن تفسيرها إلّابالقول بأنّ لها إلهاماً غريزياً . ويقال : إنّه تم التعرف على 4500 نوع من أنواع هذه الحشرة ، والعجيب في الأمر أنّ جميعها تتبع طريقة واحدة في كيفية البناء والمَصّ والتغذية من الزهور « 1 » . إنّ البحث يستدعي عدم الخروج عن صلب الموضوع كثيراً ، وإلّا فالحديث عن الحياة الغامضة للنحل طويل ، ويكفينا منه الحديث عن بنائه لبيت سداسي الأضلاع مع زوايا هندسية دقيقة . يقول العلماء في هذا المجال : إنّ البيوت المبنية من قبل النحل بنيت بدقّة وظرافة بحيث لا تحتاج إلى مواد أوليه كثيرة للبناء ، رغم سعة محتواها ، لوجود ثلاثة أشكال فقط من بين الأشكال الهندسية المتعددة - يمكن بناء البيوت على أساسها من دون حصول فراغ بينها والأشكال هي ، المثلث متساوي الأضلاع والرباعي ، والسداسي ، وقد كشفت الدراسات الهندسية أن سداسي الأضلاع يتطلب مواد بناء أقلّ مع شدّة مقاومته ، ولهذا السبب رجحه النحل على الشكلين الآخرين . من أين حصلت له هذه الالهامات الغريزية ؟ وفي أي مدرسة تعلم هذه التعاليم ؟
--> ( 1 ) . أول جامعة ، ، ج 5 ، ص 55 « بالفارسية » .